فؤاد سزگين
40
تاريخ التراث العربي
وجنّاد الشرقي بن القطامي ، وخلف الأحمر ، والمفضّل الضبي ، وأبو عمرو الشيباني ، ومن أشهر هؤلاء وأهمهم أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية ، وتذكر المصادر أسماء كثيرة أخرى غير هؤلاء جميعا ، لقد تلقى أبو عمرو بن العلاء شعرا كثيرا لعرب الجاهلية عن الشعراء الرواة ، وروى أبو عمرو بن العلاء بشهادة تلميذه أبى عبيدة « عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية » ، وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف ، ثم إنه تقرّأ « 151 » فأحرقها كلها » « 152 » . ويتضح من الأخبار التي نعرفها اليوم أن قسما كبيرا من الشعر العربي المبكر كان متاحا في دواوين القبائل . وكان العمل الأساسي للغويين في القرن الثاني الهجري / ( الثامن الميلادي ) يقوم من ناحية ، على جمع دواوين الشعراء ، وتكوين هذه المختارات ، اعتمادا على تلك المجموعات ، ومن ناحية أخرى على تهذيب دواوين القبائل ، وإكمالها اعتمادا على ما تجمع لديهم من مواد جديدة . فإذا نظرنا إلى الشواهد التي لا يرقى إليها الشك لاستخدام الكتابة في الجاهلية ، واستمرار استخدامها في العصر الإسلامي ، تحتم علينا أن نتساءل عن مدى الاعتماد على الروايات الشفوية المحضة في جمع الشعر الجاهلي في القرن الأول الهجري ( السابع الميلادي ) . لقد سبق أن ذكرنا أن بعض الدراسات في القرن التاسع عشر قد أشارت إلى استخدام الكتابة في تدوين الشعر العربي القديم ، ولكن هذه الدراسات لم تصل إلى تصور أن لغويى القرن الثالث الهجري ( التاسع الميلادي ) قد وصلت إليهم روايات مكتوبة ، وشبيه بهذا ما كان في علم الحديث ، فقد كان ثمة اعتقاد بالتدوين المبكر لأقوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وساد - بالرغم من هذا - رأى بأن مؤلفي كتب الحديث
--> ( 151 ) شرح المحقق الكبير عبد السلام هارون كلمة تقرأ أنها تعنى : تنسك . واعتمد في ذلك على ترجمة أبى عمرو بن العلاء في وفيات الأعيان لابن خلكان . ( 152 ) النص عن البيان والتبيين 1 / 320 ، ويبدو أن معاصرين آخرين لأبى عمرو بن العلاء كانوا قد رووا عن رواة أدركوا الجاهلية ، انظر : مصادر الشعر الجاهلي ، لناصر الدين الأسد 270 - 273 .